وهبة الزحيلي
45
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
كثرة الكفار ، صابرون على أذاهم ، متمسكون حق التمسك بدينهم . وأما أواخر هذه الأمة فلهم فضيلة أخرى لا تمنع ولا تحجب فضيلة السلف الصالح إذا أقاموا الدّين ، وتمسكوا به ، وصبروا على طاعة ربهم ، في وقت ظهور الشر والفسق والهرج والمعاصي والكبائر ، فيصيرون بذلك أشباه السلف غرباء أيضا ، وتزكو أعمالهم في ذلك الوقت ، كما زكت أعمال أوائلهم ، بدليل قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة : « إن الإسلام بدأ غريبا ، وسيعود كما بدأ ، فطوبى للغرباء » و قوله فيما رواه الترمذي والحاكم وصححاه وابن ماجة وغيرهم عن أبي ثعلبة الخشني : « إن أمامكم أياما : الصابر فيها على دينه كالقابض على الجمر ، للعامل فيها أجر خمسين رجلا يعمل مثل عمله ، قيل : يا رسول اللّه ، منهم ؟ قال : بل منكم » و ذكر أبو داود الطيالسي وأبو عيسى الترمذي : « أمتي كالمطر لا يدرى أوّله خير أم آخره » و ذكره الدارقطني في مسند حديث مالك عن أنس : « مثل أمتي مثل المطر ، لا يدرى أوله خير أم آخره » . وحينئذ يستوي أول هذه الأمة بآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية . ومدح الأمة الإسلامية ما داموا قائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بكل ما يجب الإيمان به ، فإذا تركوا التغيير وتواطؤوا على المنكر ، زال عنهم اسم المدح ، ولحقهم اسم الذم ، وكان ذلك سببا لهلاكهم . وإيمان أهل الكتاب بالنبي صلّى اللّه عليه وسلّم خير لهم ، ومنهم المؤمن والفاسق ، والفاسق أكثر . ووعد اللّه المؤمنين ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم أن أهل الكتاب لا يغلبونهم ، وأنهم منصورون عليهم ، لا ينالهم منهم أذى إلا بالافتراء والتحريف ، وأما العاقبة فتكون للمؤمنين . وفي هذه الآية معجزة للنبي عليه الصلاة والسلام ؛ لأن من قاتله من اليهود انهزم وولى الأدبار .